الأرض تزداد خُضرة… ولكن العلماء قلقون: هل هذا فعلاً خبرٌ جيد؟

في ظاهرة قد تبدو للوهلة الأولى إيجابية، كشف علماء أن كوكب الأرض يمر بتحول بصري لافت: لونه الأخضر يزداد انتشارًا. وعلى الرغم من أن هذا “التخضير” يبدو كعلامة على التعافي البيئي، إلا أن البيانات العلمية تشير إلى أن الأمور ليست وردية كما تبدو من الفضاء.

خُضرة تزداد ولكن بفعل مناخي وإنساني

يعتمد الإنسان منذ القدم على الألوان كوسيلة لفهم ما يدور حوله. اللون الأحمر يشير إلى الخطر، بينما الأخضر عادة ما يرمز إلى الأمان والحياة والازدهار. وبالتالي، فإن الحديث عن ازدياد المساحات الخضراء على سطح الأرض قد يبدو مطمئنًا. ولكن، خلف هذه الصورة “الخضراء”، يخفي الواقع تعقيدات بيئية ومناخية تثير القلق.

فالدراسات المستندة إلى بيانات الأقمار الصناعية، ومنها ما أجرته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، أظهرت أن كمية الأوراق الخضراء، أي الغطاء النباتي، قد ازدادت عالميًا خلال العقود الأخيرة. تقرير نُشر في مجلة “Nature” عام 2019 أشار إلى أن مساحة الأوراق الخضراء على سطح الأرض قد زادت بنسبة 5% خلال عشرين عامًا فقط، وهو ما يعادل مساحة غابات الأمازون تقريبًا.

ثاني أكسيد الكربون يغذي التخضير

من المفارقات البيئية أن هذا التخضير ناتج جزئيًا عن الانبعاثات الكربونية. فمع الارتفاع الحاد في مستويات ثاني أكسيد الكربون – الذي زاد بنسبة تقترب من 50% خلال القرنين الماضيين – توفر البيئة تركيزًا أعلى من “الغذاء” للنباتات، مما يحفّز نموها. لكن هذا النمو لا يعني بالضرورة أن الأنظمة البيئية تتحسن.

العديد من هذه المساحات الخضراء الجديدة تأتي من الزراعة المكثفة أو إعادة التشجير لأغراض تجارية، وهي لا تعوّض التنوع البيولوجي الذي نخسره جراء إزالة الغابات الأصلية. باختصار، قد تكون الأرض تزداد خُضرة، لكن على حساب التوازن البيئي.

البحر أيضاً يتغير لونه

الغريب أن هذه الظاهرة لا تقتصر على اليابسة فقط. فقد لوحظ أن لون المحيطات أيضًا يزداد اخضرارًا، وهو ما حيّر العلماء. قد يكون ذلك نتيجة لزيادة تركيز الكائنات الدقيقة مثل الفيتوبلانكتون، والتي تمتص ثاني أكسيد الكربون، أو ربما لأن الفيتوبلانكتون نفسه أصبح أكثر خضرة بسبب تغير الظروف البيئية.

لكن حتى الآن، لا يوجد تفسير حاسم لهذا التغيير. وتعكف ناسا على جمع المزيد من البيانات من خلال قمر صناعي جديد يهدف إلى تحليل التغيرات اللونية في البحار بشكل أدق، لما لها من علاقة مباشرة بقدرة المحيطات على امتصاص الكربون.

“خضرة زائفة” تفتقر للحياة

واحدة من أبرز المخاوف هي أن الأقمار الصناعية لا تميز بين أنواع الغطاء النباتي. غابة مطيرة تعج بالحياة والتنوع البيولوجي، ومزرعة صناعية تستخدم المبيدات والأسمدة الكيماوية – كلاهما يظهر بالأخضر نفسه من الفضاء.

العالمة البيئية روبن تشازدون نبهت إلى هذا التحيز البصري، موضحة أن هذا “التخضير” لا يعكس الواقع الحقيقي لما يحدث على الأرض. فالمزارع الصناعية قد تبدو صحية من الأعلى، لكنها في الحقيقة تعتمد على استنزاف الموارد الطبيعية وتطلق انبعاثات مضرة بالمناخ.

الخاتمة

التغيير في لون الأرض لا يُعتبر بالضرورة علامة إيجابية على التعافي البيئي. إنه تذكير بأن الأرقام والمشاهد الفضائية قد تخدعنا، وأن تحسين جودة الأنظمة البيئية لا يقتصر على زراعة المزيد من الأشجار فحسب، بل يتعلق بحماية التنوع البيولوجي، وتقليل الاعتماد على الزراعات الصناعية المكثفة، ومعالجة جذور أزمة المناخ.

في النهاية، اللون الأخضر قد يكون رمزًا للأمل، ولكن لا يجب أن يغطي أعيننا عن الحقيقة البيئية الأعمق.

اترك تعليقاً