اقترح عالمان من جامعة تيانجين في الصين فكرتين ثوريتين يمكن أن تغيرا نظرتنا لمصادر الطاقة في المستقبل البعيد. الدراسة التي نُشرت في مجلة Physical Review D تستعرض كيف يمكن للبشر استغلال الثقوب السوداء البدائية — وهي أصغر أنواع الثقوب السوداء التي تشكلت بعد الانفجار العظيم — وتحويلها إلى بطاريات ضخمة لتخزين وتوليد الطاقة.
الثقوب السوداء كبطاريات كونية؟
الثقوب السوداء البدائية تختلف عن الثقوب السوداء التقليدية التي تنتج عن موت النجوم. فهي صغيرة الحجم، لا تدور، ويُعتقد أنها ظهرت خلال اللحظات الأولى من عمر الكون.
هذه الخصائص تجعلها مرشحة مثالية لاختبارات نظرية حول الطاقة. وبدلًا من النظر إليها كأجسام تبتلع كل ما يقترب منها، يقترح الباحثان استخدامها كأنظمة لتخزين وإطلاق الطاقة بطريقة متحكم بها.
الفكرة تدفع حدود الخيال العلمي، لكنها تعتمد على مفاهيم فيزيائية حقيقية تم دراستها سابقًا، مثل الإشعاع الفائق وتكون أزواج الجسيمات بالقرب من أفق الحدث.
الفكرة الأولى: شحن الثقب الأسود ثم تفريغه
في هذا السيناريو، يتم “شحن” الثقب الأسود بجسيمات مشحونة كهربائيًا حتى يصل إلى حد لا يستطيع استقبال المزيد — عندها يبدأ في طرد الجسيمات مرة أخرى.
يشبه الأمر شحن بطارية ثم استخدام الطاقة المختزنة فيها.
عند هذه النقطة، يمكن الاستفادة من ظاهرة “الإشعاع الفائق” (Superradiance)، والتي تسمح باستخلاص طاقة من الموجات الكهرومغناطيسية أو موجات الجاذبية التي تتفاعل مع الثقب الأسود. هذه الموجات، بعد أن تكتسب طاقة من الثقب، يمكن جمعها وتحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام.
ما يجعل هذه الفكرة مثيرة هو أن كمية الطاقة الناتجة يمكن أن تكون أكبر من كمية الطاقة التي تم إدخالها، مما يشبه ظاهرة التضخيم الطاقي.
الفكرة الثانية: إنتاج الجسيمات من الحقول الكهربائية
يقترح الباحثان أيضًا استخدام الحقول الكهربائية القوية التي تتكوّن بالقرب من أفق الحدث.
تحت ظروف معينة، يمكن لتلك الحقول أن تنتج أزواجًا من الإلكترونات والبوزترونات، وهي ظاهرة تم التنبؤ بها نظريًا منذ سنوات.
في هذا السيناريو، يتم التقاط البوزترونات — وهي الجسيمات المضادة للإلكترونات — عند طردها من الثقب الأسود.
يمكن بعد ذلك استخدامها مباشرة كمصدر للطاقة، أو تخزينها وتحويلها لاحقًا إلى كهرباء.
هذه الطريقة لا تتطلب إرسال طاقة إلى الثقب، بل تعتمد على ظاهرة طبيعية تحدث بالقرب منه، مما قد يجعلها أقل تعقيدًا من الناحية الهندسية.
هل الفكرة قابلة للتطبيق؟
الباحثان لا يدّعيان أن هذه التقنيات قريبة من التطبيق، بل يعترفان بأن تحقيقها يتطلب تطورات هائلة في التكنولوجيا، خصوصًا في مجالات الطاقة والجاذبية والتحكم الدقيق بالجسيمات.
لكن من وجهة نظر نظرية، يقدّر الفريق أن كفاءة إعادة شحن الثقب الأسود قد تصل إلى 25% — وهي نسبة مرتفعة جدًا في سياق الطاقات المستقبلية.
لماذا ندرس هذا النوع من الأفكار؟
البحث في هذه الأفكار لا يعني أننا سنبني محطات طاقة من ثقوب سوداء قريبًا، بل هو جزء من السعي لفهم أعمق لقوانين الكون، ولتوسيع حدود ما يمكن للبشر تحقيقه في المستقبل.
ففي ظل النمو السكاني والتحديات البيئية، يصبح من الضروري التفكير في حلول غير تقليدية ومستقبلية للطاقة.
الثقوب السوداء قد لا تكون فقط نهاية الأشياء، بل ربما تصبح بداية لفصل جديد من تطور الحضارة البشرية.
من يدري؟ ربما في يوم ما، سنستخدم طاقة الثقب الأسود لتشغيل مدن بأكملها، أو حتى للسفر إلى النجوم.
الخاتمة
رغم أن الفكرة لا تزال في إطار النظريات والفرضيات، فإنها تفتح الباب أمام نقاشات علمية جادة حول استغلال الظواهر الكونية كحلول لمشكلات الطاقة المستقبلية.
هذه النوعية من الأبحاث تدفع البشرية نحو التفكير بجرأة خارج الحدود المألوفة، وقد تكون الخطوة الأولى نحو تقنيات غير مسبوقة تعتمد على قوى الكون ذاته.
الثقوب السوداء التي طالما ارتبطت بالغموض والدمار، قد تتحول يومًا ما إلى أحد أعظم إنجازات البشرية في مجال الطاقة.