‎هذا التناقض الكمي يظهر أننا لسنا حقيقيين كما نعتقد

تقدم فيزياء الكم العديد من المفاجآت، لكن من بين أغربها ما يُعرف بـ “تجربة فرافايس”، وهي تجربة فكرية قد تضع مفهوم الواقع الموضوعي بالكامل موضع تساؤل. دراسة حديثة تشير إلى أن الحقيقة كما نعرفها ربما تكون مجرد وهم، يعتمد كليًا على المراقب.

ما هي تجربة فرافايس؟

في عام 1961، اقترح الفيزيائي يوجين فرافايس سيناريو مثيرًا: عالم في مختبر يجري قياسًا على جسيم كمومي ويشاهد نتيجة معينة. في الوقت نفسه، هناك مراقب خارج المختبر يمكنه وصف النظام بأكمله — بما في ذلك العالِم ونتيجته — باستخدام قوانين ميكانيكا الكم، التي تسمح للجسيمات بأن تكون في حالة تراكب حتى تُلاحظ.

ما كشفته التجربة هو أن النتيجة التي يراها العالِم داخل المختبر قد لا تكون هي نفسها التي يراها المراقب الخارجي. وبعبارة أخرى، لا يوجد واقع واحد مشترك بين الجميع.

اختبار واقعي لتجربة فرافايس

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications، استخدم الباحثون نسخة موسعة من هذه التجربة الفكرية، تتضمن أربعة مراقبين يتفاعلون مع نظام كمومي مشترك. النتائج كانت مدهشة: لا يمكن الجمع بين ثلاثة افتراضات منطقية في الوقت ذاته:
1. هناك واقع موضوعي واحد.
2. لدى العلماء حرية في اختيار القياسات.
3. تنبؤات ميكانيكا الكم صحيحة دائمًا.

الاستنتاج؟ إذا كانت ميكانيكا الكم صحيحة — وهي كذلك في معظم التجارب — فعلينا أن نتخلى عن فكرة أن هناك “حقيقة واحدة” موضوعية يتشاركها الجميع.

ما معنى هذا بالنسبة للواقع؟

يشير الباحثون إلى أن الواقع، كما نفهمه، قد يكون نسبيًا للمراقب. ما يبدو حقيقة لشخص ما قد لا يكون كذلك لشخص آخر، وهذا لا يعني أن أحدهم مخطئ — بل أن الحقيقة نفسها تعتمد على زاوية المراقبة.

بدلاً من وجود “حقيقة مطلقة”، قد تكون الحقيقة متعددة ومتداخلة، تنشأ من تفاعلاتنا وملاحظاتنا الفردية للعالم.

تداعيات أعمق على العلم والفلسفة

هذه النتائج لا تثير الجدل العلمي فقط، بل تمس أيضًا أسئلة وجودية وفلسفية أعمق. إذا كان الواقع يعتمد على المراقب، فماذا يعني أن تكون “الذات” حقيقية؟ وهل يمكننا فعلًا أن نثق في تجربتنا للعالم من حولنا؟

من الناحية العملية، مثل هذه الأفكار قد تؤثر في مجالات مثل الحوسبة الكمومية وتشفير البيانات، حيث تستغل الأنظمة هذه المبادئ الكمومية غير التقليدية لتحقيق أداء يتجاوز الإمكانيات التقليدية.

الخاتمة

تجربة فرافايس، والدراسات المشتقة منها، تُظهر أن الواقع كما نعرفه قد لا يكون مطلقًا. في عالم الكم، “الحقيقة” ليست شيئًا ثابتًا بل ظاهرة ناشئة، تتشكل بتفاعل المراقب مع النظام. وبينما لا تزال هذه الأفكار محل جدل ونقاش، فإنها بلا شك تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، وعالمنا، وما نعتبره “حقيقيًا”.