أثارت دراسة حديثة الجدل حول واحدة من أشهر الافتراضات الفلسفية المرتبطة بالاحتمالية: إذا جلس عدد غير محدود من القردة على عدد غير محدود من الآلات الكاتبة لفترة زمنية غير محدودة، فإنهم سيكتبون في النهاية أعمال شكسبير الكاملة. لكن هل هذا صحيح حقًا من وجهة نظر فيزيائية؟
ما هي فرضية “القرد اللامتناهي”؟
تنص فرضية “القرد اللامتناهي” على أنه مع الوقت والموارد اللانهائية، يمكن أن ينتج العشوائي شيئًا منظمًا للغاية. وقد تم استخدامها كمثال على مفهوم الاحتمالات اللانهائية، لكنها اليوم تواجه انتقادات حادة من الفيزيائيين.
في ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، جادل فريق من الباحثين من جامعة فيينا بأن القيود الفيزيائية الحقيقية للعالم، مثل الوقت والطاقة والمعلومات، تجعل هذه الفرضية غير عملية، وربما مستحيلة.
الفيزياء تقيد الفوضى
أكد العلماء أن المعلومات لا يمكن إنتاجها أو تكرارها دون تكلفة، وهو ما يعني أن هناك حدودًا كمية للطريقة التي تتشكل بها الأنماط المنظمة من خلال العمليات العشوائية.
أحد الأمثلة التي ناقشوها هو عدد الخطوات المطلوبة لكتابة نص معين في ظل ظروف عشوائية. وجدوا أن الوقت المطلوب لتكوين تسلسل له معنى يزداد بشكل أُسّي مع تعقيد النص. وبالتالي، فإن إنتاج كتاب مثل “هاملت” بطريقة عشوائية سيكون فعليًا غير ممكن.
التحدي الكمومي للمفاهيم الكلاسيكية
الدراسة ترتبط أيضًا بمبادئ في ميكانيكا الكم، حيث ناقش الباحثون كيف أن المعلومات لا يمكن إنشاؤها أو نقلها بحرية كما تفترض النماذج الكلاسيكية. وهذا التقييد يُعد تحديًا كبيرًا لفكرة أن العشوائية المطلقة يمكن أن تؤدي إلى النظام.
يقول الباحثون إن الفرضية لا تتماشى مع المبادئ المعروفة في الديناميكا الحرارية ونظرية المعلومات، مما يعني أن فرضية القردة تفشل عندما نأخذ في الاعتبار القيود الفيزيائية الأساسية.
هل انتهت صلاحية هذه الفرضية؟
بينما كانت فرضية القرد اللامتناهي مصدر إلهام للعديد من الأفكار الفلسفية والفكرية، إلا أن هذه الدراسة تؤكد أنه لا يمكن الاعتماد عليها كمبدأ علمي حقيقي.
تشير النتائج إلى أن النظام لا ينبثق بسهولة من الفوضى كما كنا نعتقد سابقًا، وأن العشوائية وحدها ليست كافية لإنتاج تعقيد هادف دون إطار فيزيائي مناسب يدعم ذلك.
الخاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية فهمنا للقيود الطبيعية التي تحكم عالمنا. فبينما كانت فرضية “القرد اللامتناهي” فكرة جذابة على الورق، يبدو أن قوانين الفيزياء تفرض حدودًا صارمة على ما يمكن أن يُنجز من خلال الفوضى وحدها. النظام، كما يبدو، ليس مجرد مسألة وقت، بل يتطلب طاقة، معلومات، وشروطًا مناسبة ليظهر إلى الوجود.