يلاحظ الكثير من متعددي اللغات أنهم يتصرفون أو يشعرون بشكل مختلف عند التحدث بلغة معينة. قد يكون أحدهم أكثر صرامة عند التحدث بالإيطالية، أو أكثر انفتاحًا عند استخدام الإسبانية، أو حتى أكثر منطقية عند التحدث بالإنجليزية. لكن لماذا يحدث هذا؟ وهل يمكن أن تؤثر اللغة التي نستخدمها على الطريقة التي نفكر ونتصرف بها؟
كيف تتغير شخصياتنا مع اللغات؟
في العديد من المنازل متعددة اللغات، يحدث التبديل بين اللغات يوميًا، وغالبًا ما يرتبط كلٌّ منها بسياق مختلف. على سبيل المثال، قد يستخدم الآباء لغة واحدة مع أطفالهم، بينما يستخدمون لغة أخرى في بيئة العمل.
تقول إليزا مالينفيرني، وهي كاتبة تتحدث الإيطالية والألمانية السويسرية، إن كل لغة لديها طابع خاص في حياتها. فهي تستخدم الإيطالية عندما تتحدث مع أطفالها، لكن عندما تحتاج إلى تحفيزهم أو جعلهم يسرعون صباحًا، تتحول إلى الألمانية السويسرية، حيث تجد أنها تكون أقل صرامة وأكثر مرونة عند استخدامها.
“الرنين العاطفي” للغات المختلفة
يُشير علماء اللغة إلى أن كل لغة تمتلك “رنينًا عاطفيًا” خاصًا بها، مما يؤثر على الطريقة التي يتفاعل بها المتحدثون معها.
• في بيئة الأسرة، قد ترتبط لغة معينة بالمشاعر الدافئة والذكريات.
• في بيئة العمل، قد تكون هناك لغة أخرى تعكس الرسمية والاحترافية.
• في الكتابة والتعبير عن المشاعر، يفضل البعض استخدام لغتهم الأم، بينما يشعر آخرون براحة أكبر عند الكتابة بلغة أجنبية.
يؤكد عالم اللغة جان-مارك دوايل، الذي نشأ في بيئة متعددة اللغات، أنه يشعر بأنه شخص مختلف تبعًا للغة التي يستخدمها. فهو يكتب الشعر بالفرنسية، يتحدث الهولندية مع عائلته، ويشعر أنه أكثر دقة ومنهجية عند استخدام الإنجليزية في المجال الأكاديمي.
هل تؤثر اللغة على اتخاذ القرارات؟
تشير الدراسات إلى أن التحدث بلغة ثانية يجعلنا أكثر عقلانية وأقل عاطفية عند اتخاذ القرارات.
• في تجربة مشهورة في علم النفس الأخلاقي، طُلب من المشاركين اتخاذ قرار بشأن سيناريو أخلاقي صعب (مثل التضحية بشخص واحد لإنقاذ خمسة).
• وجد الباحثون أن الأشخاص الذين قرأوا السيناريو بلغتهم الأم اتخذوا قرارات أكثر عاطفية، بينما كانوا أكثر منطقية وحسابية عند قراءته بلغة ثانية.
كيف يمكننا استخدام هذه المعرفة؟
• التفكير في القرارات المالية بلغة ثانية قد يساعد على اتخاذ قرارات أكثر عقلانية وأقل اندفاعًا.
• استخدام لغة أخرى أثناء العلاج النفسي قد يجعل من السهل التحدث عن التجارب الصعبة، لأن اللغات الأجنبية غالبًا ما تكون أقل ارتباطًا عاطفيًا بالذكريات المؤلمة.
• التبديل بين اللغات في التواصل اليومي يمكن أن يساعد في التعبير عن مشاعر أو أفكار مختلفة بطريقة أكثر وضوحًا أو راحة.
خاتمة: هل لدينا شخصية مختلفة لكل لغة؟
كل لغة تفتح جانبًا مختلفًا من شخصياتنا، مثل آلة موسيقية تصدر نغمات متنوعة حسب السياق. يرى بعض متعددي اللغات أن لكل لغة “شخصيتها الخاصة”، بينما يرى آخرون أن اللغة تعزز جوانب مختلفة من نفس الشخصية. في كلتا الحالتين، يظل التعدد اللغوي أداة قوية لفهم أنفسنا والتواصل مع الآخرين بطرق أكثر تنوعًا وثراءً.