في دراسة حديثة من جامعة آيوا، كشف الباحثون كيف يستطيع الدماغ البشري التمييز بسرعة مذهلة بين خطأ ناتج عن تصرف شخصي وخطأ خارج عن السيطرة، وكل ذلك في أقل من ثانية واحدة.
لكن الأكثر إثارة هو ما يحدث بعد هذا التمييز: عندما يدرك الدماغ أن الخطأ كان سببه الشخص نفسه، فإنه يُطلق سلسلة من العمليات العصبية المصممة لتفادي تكرار الخطأ مرة أخرى.
التمييز السريع بين الخطأ والمسؤولية
أوضح البروفيسور جان ويسل، من قسم علم النفس وعلوم الدماغ بجامعة آيوا، أن الدماغ لا يكتفي بمجرد رصد النتيجة غير المرغوبة، بل يُقيّم على الفور ما إذا كانت ناتجة عن فعل ذاتي أم لا.
إذا تبين أن الشخص مسؤول عن النتيجة، فإن الدماغ يُطلق عملية عصبية خاصة تهدف إلى تعزيز التعلم وتعديل السلوك.
تجربة بسيطة تكشف آلية معقدة
لاختبار هذا المفهوم، أجرى الباحثون تجربة على 76 شابًا وشابة، طُلب منهم تحديد اتجاه السهم الصحيح بين مجموعة من الأسهم.
بما أن المهمة كانت سهلة، كانت الإجابات صحيحة في معظم الأحيان، وفي كل مرة تظهر النتيجة المعتادة — رمز مثلث.
لكن بين الحين والآخر، تظهر نتائج “مفاجئة” — رموز غير متوقعة مثل مرساة أو ضفدع — حتى في الحالات التي كانت الإجابة صحيحة.
هذا التغيير المفاجئ في النتيجة ساعد الباحثين في دراسة استجابة الدماغ للحالات المختلفة.
ثلاث لحظات حاسمة في استجابة الدماغ
تمت مراقبة نشاط الدماغ في ثلاث نقاط زمنية: بعد 350، و1,700، و3,000 ميلي ثانية.
ما وجده الباحثون كان لافتًا: بعد حوالي 1,000 ميلي ثانية فقط، يستطيع الدماغ التمييز بين نتيجة عادية ونتيجة غير متوقعة.
وإذا أدرك الدماغ أن الخطأ ناتج عن تصرف الشخص نفسه، فإنه يبقى في حالة نشاط لفترة تتراوح بين 2 إلى 3 ثوانٍ إضافية.
هذا النشاط يشير إلى أن الدماغ لا يكتفي بتسجيل الخطأ، بل يعمل على تعديل النظام الإدراكي والحركي لتفادي تكراره.
الدماغ يُرسل تنبيهات لتعديل السلوك
قال ويسل إن الدماغ في هذه الحالة يقوم بما يشبه “إعادة برمجة” للأنظمة العصبية، ويُرسل إشارة لبقية الجسد تقول: “لا نريد أن نكرر هذا الخطأ”.
هذا النوع من الاستجابات لا يحدث إذا لم يكن الشخص مسؤولًا مباشرة عن النتيجة.
الأخطاء الحقيقية تترك بصمة فريدة
باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، رصد الباحثون نشاطًا دماغيًا مستمرًا ومميزًا في الحالات التي وقعت فيها أخطاء بشرية.
ورغم أن الأخطاء والنتائج المفاجئة بدت متشابهة في البداية من حيث الإشارات العصبية، إلا أن الأخطاء فقط أنتجت استجابة دماغية طويلة وممتدة.
ما الذي يجعل هذا الاكتشاف مهمًا؟
لطالما عرف العلماء أن الدماغ يستطيع رصد الأخطاء، لكن لم يكن واضحًا ما إذا كانت استجاباته تختلف حسب مصدر الخطأ.
هذه الدراسة تُظهر أن هناك بالفعل نظامًا متخصصًا داخل الدماغ لرصد وتصنيف الأخطاء، وتفعيل استجابات مناسبة لكل نوع منها.
البروفيسور ويسل يرى أن هذا النظام مهم لتعديل السلوك، والتحكم بالأفعال، واتخاذ قرارات أكثر دقة لاحقًا.
الخاتمة
تُبرز هذه الدراسة كيف أن الدماغ البشري ليس فقط قادرًا على التعرف على الخطأ، بل يميز بين الأخطاء التي تسبب بها الشخص والأخطاء العشوائية.
هذا التمييز لا يُستخدم فقط في التقييم اللحظي، بل يُفعّل آليات تعلم عميقة تعمل على تعديل السلوك ومنع تكرار الأخطاء.
الفهم الأفضل لهذا النظام قد يساعد مستقبلًا في تطوير طرق جديدة لتحسين التعلم، وعلاج اضطرابات الانتباه، أو حتى تدريب الدماغ على اتخاذ قرارات أفضل.
عندما يُخطئ الإنسان، فإن دماغه لا يعاتبه فقط — بل يبدأ بإعادة ضبط نفسه ليستعد للمحاولة التالية بشكل أفضل.