لطالما اعتبر البشر أنفسهم الكائنات الوحيدة القادرة على علاج أنفسهم عند الإصابة بالأمراض. ولكن ما كشفته دراسة جديدة قد يُغير هذا التصور تمامًا. تشير الأدلة إلى أن الشمبانزي البري، عند إصابته بجروح أو التهابات، يتجه إلى تناول نباتات نادرة في بيئته، تمتلك خصائص طبية قوية، مما يدل على سلوك مقصود للعلاج الذاتي. هذا الاكتشاف قد يحمل معه فوائد طبية عظيمة للبشر أيضًا.
الشمبانزي وعلاج الذات
في غابة بودونجو بأوغندا، تابع فريق من الباحثين من جامعة أكسفورد بقيادة إيلودي فريمان سلوك الشمبانزي البري لفترة طويلة. ركزوا بشكل خاص على الأفراد الذين أظهروا علامات واضحة للإصابة أو المرض، سواء من خلال الجروح الظاهرة أو أعراض معوية مثل وجود الديدان، والتي تم التحقق منها عن طريق تحليل عينات من البراز والبول لرصد مؤشرات التهابية وخلوية تدل على نشاط الجهاز المناعي.
نباتات غير معتادة لها خصائص طبية
حلل الفريق 53 نوعًا من النباتات التي تم رصد الشمبانزي المريض وهو يتناولها. النتائج كانت مذهلة:
• 88% من المستخلصات النباتية أظهرت فاعلية ضد البكتيريا الممرضة للبشر، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية مثل MRSA.
• جميع العينات أظهرت تأثيرات مضادة للالتهابات، مما يدعم فكرة استخدامها لعلاج داخلي من خلال استهلاكها.
هذا يؤكد أن اختيار الشمبانزي لهذه النباتات لم يكن عشوائيًا أو بدافع الجوع، بل كان له غرض علاجي واضح.
سلوك مدروس وموجه
في كثير من الحالات، لوحظ أن الشمبانزي المصاب يغادر مجموعته متعمدًا للبحث عن نباتات معينة، غالبًا ما تكون نادرة أو غير معتادة في نظامهم الغذائي المعتاد. تقول فريمان: “عندما يكون الحيوان مريضًا، فإن تناوله شيئًا غير مألوف ويحتمل أن يكون ضارًا يُعد قرارًا واعيًا ومقصودًا.”
هذا السلوك اللافت يمثل واحدًا من أقوى الأدلة على أن الحيوانات تمارس العلاج الذاتي بشكل واعٍ، وهو ما دعمه علماء من خارج الدراسة أيضًا.
أمل جديد في الطب البشري
يرى الباحث فابيان شولتز من جامعة براندنبورغ أن هذه الاكتشافات لا تقتصر على فهم سلوك الحيوان فقط، بل قد تفتح الطريق أمام اكتشاف أدوية بشرية جديدة مستخلصة من نفس النباتات. “ماذا لو استطعنا إنقاذ أرواح البشر من خلال تقليد أقرب أقربائنا؟”، يتساءل شولتز.
وفي سابقة مشابهة، تم توثيق حالة لإنسان الغاب استخدم فيها أوراق نباتية لتغطية جرح، ما يُعتبر سلوكًا واضحًا للعلاج الذاتي، وتم الإعلان عنه هذا العام.
تحديات وأسئلة مستقبلية
رغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات. تشير الباحثة كيرستي غراهام إلى أن مقارنة النظام الغذائي للشمبانزي المريض والصحي في نفس الظروف قد يساعد أكثر في تأكيد أن هذه الاختيارات مقصودة بالكامل. كما أن الشمبانزي، كجزء من مجتمعه، قد يتعلم سلوكيات غذائية من أقرانه، ما يضيف بُعدًا اجتماعيًا لعملية التعلم والاختيار.
الخاتمة
هذه الدراسة تمثل تطورًا هامًا في فهمنا لعلاقة الحيوانات بالطب الطبيعي. ليس فقط لأنها توضح مدى تعقيد السلوك الحيواني، بل لأنها تفتح آفاقًا جديدة في مجال الطب والتداوي المستقبلي للبشر. الشمبانزي لا يبحث فقط عن طعام يسد جوعه، بل يبدو أنه يعرف جيدًا متى يحتاج إلى “دوائه” من الطبيعة. وربما، علينا نحن أيضًا أن نعيد النظر في الطبيعة من حولنا كمصدر محتمل للشفاء، تمامًا كما يفعل أقرباؤنا من القردة العليا.